في زمن طغت فيه “التريندات” على القيم، وبينما نبحث عن هوية فنية وسط صخب السوشال ميديا، خرجت علينا مها الصغير – الإعلامية وسيدة الأعمال – بلوحاتٍ نسبتْها لنفسها بكل فخر، وتحدثت عنها كأنها تعبير داخلي عن معاناة امرأة مكبوتة تبحث عن الأجنحة… لكن الحقيقة كانت أكثر إيلامًا من اللوحة ذاتها.
ليست الفضيحة في “السرقة” فحسب، بل في المشهد المصاحب لها. مها ظهرت على شاشة وطنية – برنامج يحظى باحترام واسع – وقدّمت نفسها كفنانة تشكيلية تُحوّل الألم إلى لون، والكبت إلى خطوط. الجمهور صدّق، والمذيعة انبهرت، وصفّق البعض لتجربة “المرأة القوية” التي انتقلت من ظلّ رجل قوي إلى ضوءها الخاص. لكنها لم تكن سوى ضوء مسروق.
الفن ليس زينة.. بل روح
اللوحة التي أثارت الجدل لم تكن من وحي مخيلتها، بل هي عمل للرسامة الدنماركية ليزا لاش نيلسون، أنجزته قبل سنوات. وعندما ظهر الأصل، ظهر الكذب. ليس كذبًا عابرًا، بل اختلاسًا شعوريًا: مها لم تسرق صورة، بل سرقت قصة. قصة امرأة أخرى، من ثقافة أخرى، وظّفت الفن للتعبير عن وجعها الشخصي… لتأتي مها وتُعيره لنفسها بلا إذن، وتبيعه لنا في قالب بطولي زائف.
التساؤل الأكبر: كم مها أخرى؟
قضية مها الصغير ليست استثناءً، بل هي مرآة لخلل أكبر في الوسط الثقافي والإعلامي: ثقافة التجميل بلا مضمون، وثقافة “الظهور” على حساب “الحقيقة”. كم فنانًا حقيقيًا لم يجد منبرًا؟ وكم إعلاميًا صنع قصة كاملة من وهم، فقط ليحجز مقعدًا في تريند اليوم؟
إنها أزمة مجتمع يحتفي بالصوت العالي لا بالعمل الصادق. أزمة جمهور لم يعد يسأل “من صاحب هذا العمل؟”، بل يكتفي بـ”مين قاله؟”.
الاعتذار لا يكفي
نعم، مها اعتذرت، والرسامة الدنماركية سامحت. لكن هل نكتفي بذلك؟ هل نسامح من سرق فنا ووجدانًا؟ في الغرب، هذه جريمة ملكية فكرية. وفي مصر؟ تُعد سقطة عابرة تمرّ بلا عقوبة، وربما تعود صاحبتها للظهور كأن شيئًا لم يكن.
نحن لا نحتاج فقط للاعتذار، بل إلى مراجعة كاملة لآليات الظهور في الإعلام، لاحترام حقوق الإبداع، وإعادة الاعتبار للفن الصادق.
في النهاية:
القضية ليست عن مها الصغير فقط، بل عنّا جميعًا… عن إعلام يسوّق الوهم، عن جمهور يتغافل، عن مؤسسات تغض الطرف. نحن بحاجة إلى إعادة إيماننا بأن الفن ليس وسيلة للشهرة، بل رسالة… ومن لا يحملها بأمانة، لا يستحق المنبر.







لا تعليق